الشوكاني

28

نيل الأوطار

بخاء معجمة وطاء مهملة مفتوحتين ( والحديثان يدلان ) على جواز دخول مكة للحرب بغير إحرام ، وقد اعترض عليه بأن القتال في مكة خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما ثبت في الصحيح : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : فإن ترخص أحد لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها فقولوا : إن الله تعالى أذن لرسوله ولم يأذن لكم فدل على عدم جواز قياس غيره عليه ، ويجاب بأن غاية ما في هذا الحديث اختصاص القتال به صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما جواز المجاوزة فلا ، وأمته أسوته في أفعاله ، وقد اختلف في جواز المجاوزة لغير عذر ، فمنعه الجمهور وقالوا : لا يجوز إلا بإحرام ، من غير فرق بين من دخل لاحد النسكين أو لغيرهما ، ومن فعل أثم ولزمه دم . وروي عن ابن عمر والناصر وهو الأخير من قولي الشافعي واحد قولي أبي العباس : إنه لا يجب الاحرام إلا على من دخل لأحد النسكين لا على من أراد مجرد الدخول . ( استدل الأولون ) بقوله تعالى : * ( وإذا حللتم فاصطادوا ) * ( سورة المائدة ، الآية : 2 ) وأجيب بأنه تعالى قدم تحريم الصيد عليهم وهم محرمون في قوله تعالى * ( إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم ) * ( سورة المائدة ، الآية : 1 ) وقد علم أنه لا إحرام إلا عن أحد النسكين ، ثم أخبرهم بإباحة الصيد لهم إذا حلوا ، فليس في الآية ما يدل على المطلوب ، واستدلوا ثانيا بحديث ابن عباس عند البيهقي بلفظ لا يدخل أحد مكة إلا محرما قال الحافظ : وإسناده جيد ورواه ابن عدي مرفوعا من وجهين ضعيفين . وأخرجه ابن أبي شيبة عنه بلفظ : لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلا الحطابين والعمالين وأصحاب منافعها وفي إسناده طلحة ابن عمرو وفيه ضعف . وروى الشافعي عنه أيضا أنه كان يرد من جاوز الميقات غير محرم . وقد اعتذر بعض المتأخرين عن حديث ابن عباس هذا بأنه موقوف على ابن عباس من تلك الطريق التي ذكرها البيهقي ولا حجة فيما عداها ، ثم عارض ما ظنه موقوفا بما أخرجه مالك في الموطأ أن ابن عمر جاوز الميقات غير محرم ، فإن صح ما ادعاه من الوقف فليس في إيجاب الاحرام على من أراد المجاوزة لغير النسكين دليل ، وقد كان المسلمون في عصره صلى الله عليه وآله وسلم يختلفون إلى مكة لحوائجهم ، ولم ينقل أنه أمر أحدا منهم بإحرام كقصة الحجاج به علاط ، وكذلك قصة أبي قتادة لما عقر حمار الوحش داخل الميقات وهو حلال ، وقد كان أرسله لغرض قبل الحج فجاوز الميقات لا بنية الحج ولا العمرة فقرره صلى الله عليه وآله وسلم ، لا سيما مع ما يقضي بعدم الوجوب من استصحاب البراءة الأصلية إلى أن يقوم دليل ينقل عنها .